سعيد حوي

6123

الأساس في التفسير

فلما قال تعالى : وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ علمنا أن المراد بذلك الزقوم . والله أعلم . 12 - بمناسبة قوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ * وَما لا تُبْصِرُونَ قال صاحب الظلال : ( بهذه الفخامة وبهذه الضخامة ، وبهذا التهويل بالغيب المكنون ، إلى جانب الحاضر المشهود . . . والوجود أضخم بكثير مما يرى البشر . بل مما يدركون . وما يبصر البشر من الكون وما يدركون إلا أطرافا قليلة محصورة ، تلبي حاجتهم إلى عمارة هذه الأرض والخلافة فيها - كما شاء الله لهم - والأرض كلها ليست سوى هباءة لا تكاد ترى أو تحس في ذلك الكون الكبير . والبشر لا يملكون أن يتجاوزوا ما هو مأذون لهم برؤيته وبإدراكه من هذا الملك العريض ، ومن شؤونه وأسراره ونواميسه التي أودعها إياه خالق الوجود . . . فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ * وَما لا تُبْصِرُونَ . ومثل هذه الإشارة تفتح القلب وتنبه الوعي إلى أن هناك وراء مد البصر ، ووراء حدود الإدراك جوانب وعوالم وأسرارا أخرى لا يبصرها ولا يدركها . وتوسع بذلك آفاق التصور الإنساني للكون والحقيقة . فلا يعيش الإنسان سجين ما تراه عيناه ، ولا أسير ما يدركه وعيه المحدود . فالكون أرحب والحقيقة أكبر من ذلك الجهاز الإنساني المزود بقدر محدود من الطاقة يناسب وظيفته في هذا الكون . ووظيفته في الحياة الدنيا هي الخلافة في هذه الأرض . . . ولكنه يملك أن يكبر ويرتفع إلى آماد وآفاق أكبر وأرفع حين يستيقن أن عينه ومداركه محدودة ، وأن هناك وراء ما تدركه عينه ووعيه عوالم وحقائق أكبر - بما لا يقاس - مما وصل إليه . . . عندئذ يتسامى على ذاته ويرتفع على نفسه ، ويتصل بينابيع المعرفة الكلية التي تفيض على قلبه بالعلم والنور والاتصال المباشر بما وراء الستور ! إن الذين يحصرون أنفسهم في حدود ما ترى العين ويدرك الوعي بأدواته الميسرة له . . . مساكين ؟ سجناء حسهم وإدراكهم المحدود . محصورون في عالم ضيق على سعته ، صغير حين يقاس إلى ذلك الملك الكبير . وفي فترات مختلفة من تاريخ البشرية كان كثيرون أو قليلون يسجنون أنفسهم بأيديهم في سجن الحس المحدود ، والحاضر المشهود ؛ ويغلقون على أنفسهم نوافذ المعرفة والنور ، والاتصال بالحق الكبير ، عن طريق الإيمان والشعور . ويحاولون أن يغلقوا هذه النوافذ على الناس بعد ما أغلقوها على أنفسهم بأيديهم . . . تارة باسم الجاهلية . وتارة